الكورد – حلبجة، والتدخل الإنساني متى ؟

04/02/2020 - 04:36 نشر في عربی-آراء

 

  • نايف شيخاني

 

لم يتضمن ميثاق الامم المتحدة ذكرا للتدخل الإنساني (Human Intervene) كونه مبدأ من مبادئ الأمم المتحدة ، ولكن برز هذا المبدأ بشكل واضح في قرارات الامم المتحدة في عام 1991م بمناسبة الحرب على العراق ، فقد اتخذ مجلس الامن قرارا يقضي بحماية الكورد في اقليم كوردستان العراق ، ووضع خطوط عرض منع العراق من تجاوزها وبذلك أضحى هذا المبدأ من المباديء الحديثة على صعيد القانون الدولي.

 فالتدخل الإنساني هو الذي أباح للامم المتحدة التدخل المسلح ، لفرض حالة معينة , أو حماية أقلية تتعرض للاضطهاد ، أو حالة انتهاك حقوق الإنسان في دولة أو عدم قدرتها على حمايتهم.

 والقاعدة العامة هي أن مسألة تطبيق حقوق الإنسان من الدولة تعد من القضايا الداخلية التي لايجوز التدخل فيها ، ولهذا فإن الامم المتحدة لاتتدخل عسكريا في قضايا حقوق الإنسان إلا عندما يتحقق شرط واحد , وهو أن يكون من شأن المساس بحقوق الإنسان على الصعيد الداخلي تهديدا للامن والسلم الدوليين ، أي التهديد الذي يعرض العالم إلى حرب عالمية ، عندها يفحص مجلس الامن النزاع ، ويتخذ قرار التدخل العسكري بعد أن يستنفد الإجراءات السلمية المذكورة في الفصلين السادس والسابع. 

إن السلطة التقديرية التي يملكها مجلس الامن إزاء القرارات المتصلة بالتدخل الإنساني تعد أخطر السلطات ، ولهذا ألزم ميثاق الامم المتحدة مجلس الامن عند اتخاذه إجراءات معينة لحماية الامن والسلم الدوليين ، ان يستنفد جميع الوسائل السلمية طبقا لمبادئ العدل والقانون الدولي ، ولم يحدد الميثاق ماهية تلك الوسائل ، ذلك لان مجلس الامن ليس محكمة دولية , بل هيئة سياسية تأخذ بالحسبان في قراراتها مصالح الدول الاعضاء في المجلس.

 ولهذا فقد استعمل مجلس الامن معايير مزدوجة في حالات متشابهة بما يتناقض مع مبادئ العدل والقانون الدولي ، ومبدأ المساواة الذي نص عليه ميثاق الامم المتحدة.

إن التدخل القائم على معايير مزدوجة والكيل بمكيالين والتدخل غير المبني على أسس غير متفق عليها أدى إلى خروج الأمم المتحدة عن ميثاقها ، وهذا التدخل ساعد على انتهاك سيادة الدول الصغيرة من الدول الكبرى.

لقد استند التدخل الإنساني الدولي في العراق إلى قرار مجلس الامن المرقم 688 في 5 نيسان 1991م والذي جاء فيه "إن مجلس الامن إذ يساوره شديد القلق إزاء القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق ، والذي شمل مؤخرا المناطق السكانية الكوردية ، وأدى ذلك إلى تدفق اللاجئين على نطاق واسع عبر الحدود الدولية ، وإلى حدوث غارات عبر الحدود بما يهدد الامن والسلم الدوليين في المنطقة إذ يشعر بانزعاج بالغ لما ينطوي عليه ذلك من الام مبرحة يعاني منها البشر هناك ، وتهدد نتائجه السلم والامن الدوليين في المنطقة ، ويطالب أن يقوم العراق على الفور إسهاما منه في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والامن الدوليين في المنطقة بوقف هذا القمع ، ويعرب في السياق نفسه عن إقامة حوار مفتوح لكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق الاساسية لجميع المواطنين العراقيين ، ويصر على أن يسمح العراق بوصول المنظمات الدولية الإنسانية على الفور إلى جميع من يحتاجون إلى المساعدة في جميع أنحاء العراق و يوفّر جميع التسهيلات اللازمة لعملياتها ، ويطالب الامين العام بأن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق ، وأن يقدم على الفور وإذا اقتضى الامر بعد إيفاد بعثة أخرى إلى المنطقة تقريرا عن معاناة السكان المدنيين ، ولاسيما الكورد الذين يعانون من جميع أشكال القمع الذي تمارسه السلطات العراقية ، كما يطالب العراق بالتعاون مع الامين العام من أجل تحقيق هذه الغايات". 

قامت الدول الغربية بتقديم المأوى الآمن للكورد ، فاعلن الرئيس الاميركي (جورج بوش) الاب في 17 نيسان من عام 1991م عن اتفاق الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا على تجميع السكان في محميات آمنة في كوردستان العراق تحت الحماية العسكرية للدول الثلاث بهدف إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة لهم ، فأرسلت قوات عسكرية أميركية و أوربية لحماية الكورد واغاثتهم ، فكانت هذه هي المرة الأولى التي يحظى الكورد العراقيون بتعاطف دولي وإقليمي واسع النطاق ، ولكن لاهداف سياسية ورغبة في الحفاظ على الاستقرار الاقليمي , تمكنت الولايات المتحدة الاميركية من تطويع القرارات الدولية بشأن العراق وتفسيرها على النحو الذي يحقق رؤيتها السياسية مستفيدة من التحولات التي مر بها العالم آنذاك ، ومن غموض نصوص الامم المتحدة بشأن العقوبات الدولية ، فمثلا لن يتم رفع الحصار الدولي على العراق إلا إذا صدر قرار برفعه عن مجلس الأمن الذي تملك الولايات المتحدة فيه حق النقض , وبذلك تضع شروطا لاعلاقة لها بالنصوص والقرارات الدولية التي أصدرها مجلس الامن , وقد أصبح واضحا من تقرير اللجنة الدولية المعنية بملف أسلحة الدمار الشامل لعام 1994م , أن العراق قد التزم بكل ما هو مطلوب منه , إلا أن الإدارة الأميركية تجاهلت التقرير و ربطت رفع الحصار بتغيير النظام السياسي العراقي ، و هو ما ليس له علاقة بقرارات الامم المتحدة.

وإذا كان الحصار الإقتصادي كونه أداة سياسية للضغط على حكومة ما للاستجابة لمطالب محددة , إلا أنه في الوقت نفسه يعرض شعبا للإبادة على نحو تحرمه الاتفاقيات الدولية من الغذاء و الدواء , لذا فإن محاولات تخفيف آثاره لم تحقق الهدف المطلوب , فكان برنامج النفط مقابل الغذاء الذي سمح للعراق ببيع نفط قيمته ملياري دولار على مدى ستة أشهر لتأمين الغذاء و الدواء للسكان في كل العراق , و فرض رقابة دولية على صادرات النفط و على توزيع الغذاء والادوية على وفق القرارين 706 و 712 لعام 1991م و القرار 986 لعام 1995م , و هذا البرنامج الذي جرى تطبيقه منذ أواخر عام 1996م  لم يسمح بالحصول على الموارد المالية الكافية للتخفيف من معاناة الشعب العراقي , ولا سيما إن جزءا كبيرا منها ذهب لتعويضات حرب الخليج و لنفقات الامم المتحدة في العراق والتي بلغت 35% من حجمها .

ولما كان انتهاك حقوق الإنسان من دولة ما مسألة داخلية و محددة بحدود معينة , فإن من الصعوبة بمكان أن تكون مهددة للامن والسلم الدوليين , ولهذا كان هذا الاختصاص مثار جدل واستغلال من الولايات المتحدة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول , فمن الثابت أن هناك انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان تتطلب تدخل الامم المتحدة , مثل المجازر التي حدثت في البوسنة والهرسك ، و كوسوفو ، و بورندي ، و رواندا , ولكنها هددت الامن والسلم الدوليين , كما هو الحال في النزاعات الدولية , وكذلك النزاع  بين الهند و باكستان , و الحرب بين اليمن الجنوبي و الشمالي , و الاحتلال الأميركي للعراق من غير موافقة الامم المتحدة و الإحتلال الاثيوبي للصومال و غيرها .

ويمكن القول إن صياغة التدخل الإنساني في القواعد القانونية أصبحت ضرورة أخلاقية و إنسانية , لذلك بدأت الدول بمناقشة الضوابط و المعايير التي تضمن عدم انحراف التدخل الإنساني عن الغاية المرجوة منه ، ومن أهم هذه الضوابط و المعايير:-

1- تحديد الحالات التي تبيح التدخل الإنساني , مثل حالات استفحال الحروب الداخلية واتساع نطاق العمليات العسكرية لتشمل المدنيين بما يؤدي إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني و القانون الدولي لحقوق الإنسان , و في حالات انهيار الدولة واختفاء مؤسساتها القادرة على حماية المواطنين , و كذلك حالات قمع المدنيين من قوات الإحتلال الاجنبية .

2-  إعطاء الاولوية للوسائل السلمية لفض النزاعات , إذ يكون التدخل العسكري الملاذ الاخير .

  3-  يجب أن يمر قرار التدخل بالمراحل الاتية :-

أ‌-  إعطاء الفرصة للدول المعنية لحل مشكلاتها بنفسها .

ب‌-  قيام دول الجوار الاقليمي بالتدخل بناء على طلب الدولة المعنية لمساعدتها في مواجهة المشكلة بالتعاون مع المنظمات الإقليمية .

ت‌- إحالة الموضوع إلى الامم المتحدة لبحث المشكلة داخل مجلس الامن ، واتخاذ القرار المناسب على وفق الاحكام المذكورة في الميثاق , و إذا فشل مجلس الامن ، تتخذ الجمعية العامة قرارها في المشكلة على غرار قرار الاتحاد من أجل السلم في جلسة طارئة .

4- ضرورة أن يوافق مجلس الأمن على أي شكل من أشكال التدخل مهما كانت درجته بمقتضى اختصاصاته على وفق المادة 24 من الميثاق , و إذا اتخذ مجلس الامن قراره بالتدخل العسكري , فإنه يجب عليه تحديد الاطراف المفوضين بالتدخل واختصاصاتهم , وحجم القوات العسكرية ، ومصادر تمويل العملية ، والاهداف المراد تحقيقها ، والمدة الزمنية اللازمة ، وتوقيتات المراجعة الدورية للعملية ، والإشراف على التزام الدول المفوضة من خلال تقاريرها عن سير التدخل .

5- يجب استعمال القوة على وفق معايير الضرورة و التناسب و تجنب الآلام التي لا مبرر لها , و منع تصاعد الازمة أو زيادة المعاناة الإنسانية للمدنيين .

6- يجب تفادي اعتماد نماذج محددة مسبقا لشكل التدخل قياسا على السوابق المشابهة , فيتم التعامل مع كل حالة على حده , وعلى وفق الاسلوب الملائم في ظل ظروفها الخاصة .

7- احترام سيادة الدولة وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي ، يجب ألا يؤدي التدخل إلى احتلالها أو النيل من استقلالها واستقرارها أو تدمير بنيتها التحتية .

 هكذا يمكن أن يعد التدخل الإنساني عملا لم يكن ليتم لولا أن الدولة المتدخلة أقوى من الناحية العسكرية ، وتستغل الدولة المتدخلة هذه الذريعة سياسيا للتدخل والضغط على بعض الدول للسير في ركابها أو إضعافها أو لنشر مبادئ تحقق مصالحها الوطنية ، وهو ما بينته حالات التدخل الإنساني القديمة والحديثة ، ولذلك فإن أفضل بديل لمواجهة مشكلات التدخل الإنساني في اتخاذ الامم المتحدة تدابير وقاية من خلال تشجيع عمليات التنمية في دول العالم الثالث ، وهو ما أكده إعلان فيننا لحقوق الإنسان في عام 1993م ، وتشجيع النشاطات التي تعمل على زيادة الوعي والقيم الإنسانية ، و وقف بيع الاسلحة التقليدية إلى الدول النامية من الدول المتقدمة التي تقوم بعمليات التدخل .

ويجب القول إن العامل السياسي يمارس دورا كبيرا في مبادرة مجلس الامن للتدخل الإنساني ، وبعبارة أدق عندما يكون النظام السياسي في الدول المعنية على وفاق مع الدول الكبرى , ولاسيما مع الولايات المتحدة ، فإن الانتهاكات مهما كانت خطورتها ستمر مرور الكرام من غير تدخل ، أما إذا حدث العكس , أي عندما يكون النظام السياسي المعني على خلاف مع الولايات المتحدة ، فإن الموضوع سيثار و تتعالى الاصوات بضرورة التدخل ، كما حصل في العراق في الاعوام من 1977م والى عام 1991م  فيما يخص القضية الكوردية ، فعندما كانت العلاقة ودية بين النظامين السياسين في العراق و الولايات المتحدة ، مرت مسألة تدمير قرابة 4500 قرية كوردية ، واستعملت الاسلحة الكيمياوية ، وقتل أكثر من 182000 ألف كـوردي في عمليات (الانفال) ولم تتحـــرك الامــم المتحدة و مجلس الامن لمساعدة الكورد و التدخل في العراق ، ولكن بعد تدهور هذه العلاقة مهد للتدخل الإنساني في العراق ، ولاسيما بعد صدور القرار 688/1991 .