أخــبــار آراء الــبــرامــج الــحــلــقــة ريـــاضــة اتــصــل بــنــا مــن نــحــن
په‌خشی ڕاسته‌وخۆ

طوفان الأقصى فرقان بين مرحلتين

سمى الله تعالى معركة بدر بـ(يوم الفرقان)، لأنها كانت فارقةً بين مرحلتين يحكمهما ظرفان مختلفان من عمر الدعوة الإسلامية؛ مرحلة الاستضعاف حيث كانت الدعوة فيها سلمية، ولا تملك دولة تسندها، وتنافح عن وجودها، ومرحلة التمكين حيث أصبح للدعوة كيان وقوة ووجود مادي؛ قادر على المدافعة عنها وفق السنن، وجملة أسباب أخرى تليها في الأهمية، فلم يكن ما بعد بدر، في تاريخ الأمة، كما كان قبلها.
وقد اعتبرت معركة (طوفان الأقصـى) فرقاناً؛ لأنها جاءت لتنهي مرحلة ظرفية عاشت فيها الأمة أحداثاً قاسية ومؤلمة، أسست لحالة من الانكسار العسكري والنفسـي والإيماني في نفوس أبناء الأمة، بُني عليها نظام سياسي خرج من رحم الهزائم والنكسات، هذا النظام وصل مرحلة متقدّمة من الهوان، وبدأ يؤسس لظرفية جديدة تشكّل نقلة خطيرة في وعي الأمة وواقعها.
وسنقف في هذا المقال على معالم هذه المرحلة، لنتبين - بالدلائل والوقائع - مدى فداحتها، وعظيم إثرها.
أولاً- أسباب المعركة:
منذ أن انقدحت شرارة معركة طوفان الأقصـى في 7 أكتوبر 2023، وأكثر سؤال يطرح على الساحة هو: لماذا بادرت المقاومة بهذه الخطوة الجريئة، ورد الفعل عليها معروف سلفاً، ففي كل مرحلة تلقى فيها الكيان الصهيوني ضربة مؤلمة، كان رد فعله عنيفاً بدعم دولي لا محدود، ينتهي بمكتسبات تنتهي بالمزيد من التفوّق والاحتلال والتوسّع، كما حصل في حرب 1967؟!
ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إلّا بفهم واستيعاب ما كان يجري ويحاك للقضية الفلسطينية، وفي القلب منها المقدسات الإسلامية، كي نصل لاستنتاج صحيح مؤداه هل كانت المعركة ضرورية وتستحق التضحيات أم لا؟ ويمكن بيان ذلك على النحو الآتي:
1- شهدت الأعوام الماضية صعوداً صاروخياً للأجنحة الإرهابية المتطرفة في الكيان، حتى أنها تمكنت بمجموعها من تشكيل آخر حكومة منفردة، وهي التي أجمع المحللون في الشـرق والغرب على اعتبارها الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة الطارئة. وهذه الجماعات ذات عقيدة استئصالية لا تؤمن بالتعايش مع الآخر، ولا ترضى بما تحقق للكيان من مكتسبات على مدار العقود الماضية، وتضع قضية الاستيلاء على المسجد الأقصـى المبارك في أعلى سلم أولوياتها، ولا تكتفي بسيطرة دولة الكيان على مدينة القدس وتحكمها بالمسجد الاقصـى، بل هي تسعى لهدمه وبناء هيكلها المزعوم فوق أنقاضه، وقد شهدنا مؤخراً عملية التقسيم الزماني والمكاني التي أصبحت بحكم الأمر الواقع، حيث يسمح للصهاينة بدخول المسجد في أوقات يمنع فيها المسلمون بقوة السلاح من دخوله، وبلغت التجاوزات الكلامية والسلوكيات الاستفزازية ذروتها خلال العام الجاري، حيث تطاول القطعان على شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -، فضلاً عن الهجوم على المسلمين وممتلكاتهم بحماية العسكر الصهيوني.
ويتحدّث شهود العيان في القدس، والمطلعين على حقائق ما يجري على الأرض، عن استعدادات مادية ولوجستية للشروع بهدم الأقصـى، ومن هذه الاستعدادات تجهيز متطلبات إقامة الهيكل المزعوم، كما مذكور عندهم في شريعتهم المحرّفة، إذ إن زيارة المسجد الأقصـى الذي يزعمون أنه جبل الهيكل في شريعتهم حكمها الحرمة حالياً، ما لم يتم تطهير الجبل بذبح بقرة حمراء لا شية فيها، ولا تستخدم للزراعة، وتولد في الأرض المحتلة، وقد استقدم المتطرفون بقرات بهذه المواصفات من الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأوا بتربيتها في مزارع خاصة بالقدس على أمل أن تتوالد ويخرج من أصلابها البقرة بالمواصفات المطلوبة، للتقرّب بها، تمهيداً لهدم الأقصـى والسيطرة عليه، بعد أن تهيّأت الظروف الدولية والإقليمية لتقبل هذا الأمر.
2- القضية الفلسطينية على المستوى الدولي أصبحت في خبر كان، ولم تعد تعهدات أوسلو قائمة، فلا مكان لحل الدولتين؛ الذي على أساسه تم تصفية كفاح الشعب الفلسطيني، وحقه في المقاومة واستعادة أرضه، إذ بلغ الاستيطان في ظل الحكومة الإرهابية الأكثر تطرفاً، بالضفة الغربية، أقصـى مدى له على مدار عقود، وتم مصادرة الأرض، ومحاصرة الشعب الفلسطيني بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجدران العازلة، فضلاً عن إطلاق يد قطعان المستوطنين، والسماح لهم بالتعدّي والتجاوز على السكان الأصليين أصحاب الأرض، التي يزعمون أنها (يهودا والسامرة)، ويسعون لتهجير أهلها إلى الأردن. ووصل الأمر إلى حد أن نتنياهو؛ رئيس وزراء الكيان، أشهر خارطة لفلسطين المحتلة أمام الأمم المتحدة، لا يظهر فيها ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، التي اعترفت بها اتفاقية اوسلو، والتي يفترض أن تقام عليها الدولة المنتظرة ضمن حل الدولتين، في إشارة إلى أن الخارطة تمثل دولته المزعومة.
3-إقليمياً أصبحت الأجيال المتأخرة من حكام الدول العربية والإسلامية، تجاهر بما كانت تكتمه أسلافها من الأجيال الأولى، التي صادرت السلاح من أيدي الفلسطينيين، ومنعتهم من المقاومة عام 1948، بدعوى أن جيوشها هي التي ستحرر الأرض، وتبين لاحقاً أنها كانت تمهد لتسليم فلسطين دون قتال للصهاينة، وهو ما حدث حرفياً.
الحكام الجدد بدأوا يعلنون ولاءهم لهذه الدولة التي أقيمت على أعين آبائهم، عبر سلسلة التطبيع التي بدأت تجتاح المنطقة العربية والإسلامية دون قيد أو شرط، بعد أن كان التطبيع مشـروطاً فيما عرف بمبادرة السلام العربية، التي أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك السعودية، عام 2002، بالقمة العربية في بيروت، هدفها المعلن إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967، وعودة اللاجئين، والانسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة، مقابل اعتراف الدول العربية بالكيان، وتطبيع العلاقات معه؛ وستتبعها الدول الإسلامية بطبيعة الحال.
الجيل الجديد من الحكام العرب تجاوز شروط الآباء، وسار إلى التطبيع مع الكيان دون أن يلتفت إلى أي اعتبار، قومياً كان؛ على أساس أن قضية فلسطين تلامس الكرامة العربية، حسب زعم الخطاب الرسمي الكلاسيكي، أو إسلامياً؛ على اعتبار أن فلسطين وَقْفٌ من البحر إلى النهر؛ وفيها أقدس مقدّسات المسلمين، فصار التطبيع لأجل التطبيع، وباتت بيارق الاحتلال ترفرف في العواصم العربية، في الوقت الذي تصادر فيه دولة الاحتلال ما بقي من أراضي 1967، وتذبح الشعب الفلسطيني من الوريد إلى الوريد.
4-تصفية القضية الفلسطينية - بشكل نهائي - بات أمراً تدبر له الإدارة الأمريكية مع الكيان المحتل، ففكرة التطبيع تدحرجت حتى وصلت إلى السعودية، وهذه لها رمزية في العالم الإسلامي، كونها تضمّ في جنباتها الحرمين الشـريفين، واشنطن بدأت ترتّب أوراق المنطقة، وتمهد لدخول الرياض إلى الحظيرة، ولم يكن بينها وبين دخول الحظيرة سوى أسابيع معدودة.
رمزية بلاد الحرمين تجعل من تطبيع السعودية مع الكيان؛ نقلة نوعية في مسار التطبيع النهائي، الذي يفضي إلى تشكيل دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، كما خطط لها الآباء المؤسِّسون، مع تعديل بسيط؛ تمّ فيه التخلي عن فكرة السيطرة العسكرية المباشرة على الأرض، فالدولة التي ستسيطر على كامل فلسطين التاريخية؛ ستكون قادرة بكل بساطة على السيطرة على الشـرق الأوسط اقتصادياً، كونها صاحبة القوة الأكبر، عسكرياً كونها صاحبة أقوى جيش في المنطقة، وهو ضمن العشـر الأقوى على مستوى العالم، استخبارياً هي أقدر على التغلغل في نسيج المجتمعات العربية والإسلامية، وتغيير نظمها الاجتماعية، ومناهجها التربوية، وتبديل الحكام بحسب ما تقتضيه مصالحها، بالأصل هي كانت تفعل ذلك بشكل أو بآخر فيما كانت معزولة غير مطبع معها؛ فمن باب أولى ستكون أقدر على ذلك؛ وهي دولة معترف بها ووجودها مشرعن مع ما تملك من إمكاناتٍ هائلة، ودعم غربي لا محدود ولا مشروط.
ثانياً- مآلات المعركة:
ما تقدّم ذكره هو جملة وقائع كانت ستؤدي في المحصلة النهائية إلى تصفية القضية الفلسطينية، خصوصاً أن هذا الواقع أنتج جيلاً جديداً محبطاً يائساً من التغيير، خصوصاً بعد أن تم تصفية ثورات الربيع العربي، وما تمخّض عنها من مقدّمات تغيير، كان لها أن تؤسس لمرحلة جديدة، لو كتب لها النجاح.
وفي ظل أجواء الإحباط هذه لم يكن في الأمة إلا حركة الإخوان المسلمين في فلسطين، قائمةً على أمر الإعداد والاستعداد للمواجهة والمجابهة مع العدو المحتل، حيث جاء تأسيس حركة حماس كحركة مقاومة متأخراً، بعد أن كان الإخوان مشتركون مع الآخرين في العمل والكفاح الوطني، وما إن جاءت (أوسلو) حتى تخلّى الشـركاء عن السلاح ونهج الكفاح، ضمن الطبخة الدولية المعروفة، ليجد الإخوان أنفسهم وحدهم في الساحة؛ تطاردهم سلطة أوسلو بالسجن والتعذيب والتهجير والتقتيل.
وقد بدأت حماس نضالها بتأسيس وتربية جيل الحجارة، الذي أسّس للانتفاضات المتتالية التي أنهكت الاحتلال، وحقّقت مكاسب ميدانية معتبرة، ثمّ تحوّل جيل الحجارة إلى العمل العسكري المنظم، فكانت كتائب عز الدين القسام، التي بدأت بإمكانات ضعيفة لا يمكن تخيّلها، ففي مراحل التأسيس الأولى لم يكن لدى المجاهدين سوى مسدس واحد، يتمّ فيه تنفيذ عملية من قبل أحدهم، لينتقل إلى يد مجاهد آخر، كان هذا المسدس المتواضع يتنقل بين جغرافيا فلسطين المحتلة من غزة إلى الضفة إلى أراضي فلسطين 1948، متجاوزاً أجهزة مخابرات الكيان وسلطة أوسلو وداعميهما في العالم، ونجح في قضّ مضاجع الاحتلال، حتّى بدأ يتألم مع تطور قدرات المقاومة التدريجية التي وصلت إلى ما نراه اليوم، وأصبحت تشكّل تحديّاً وجوديّاً للكيان؛ استدعى أن تجيّش خمس دول عظمى؛ (الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا)، كُلّ إمكاناتها وقدراتها العسكرية والاستخبارية والسياسية في مواجهة هذه الطائفة التي لا زالت ظاهرة على الحق، لا يضـرّها من خذلها.
وتشير القراءة الاستراتيجية لوقائع ونتائج المعركة، التي لا تزال قائمة، إلى أنها ستؤسّس لظرف جديد، لن يكون بأي حالٍ من الأحوال شبيهاً بمرحلة ما قبل الطوفان. سيغير معالم الشـرق الأوسط - كما قال قادة الكيان -، لكن هذا التغيير سيتحقّق لصالح من يخرج منها منتصراً.
ويمكنني أن أجمل هذه المآلات في النقاط الآتية:
1-حماس حقّقت النصـر الاستراتيجي الناجز في أول ضربة وقعت في السابع من اكتوبر، حيث كسـرت هيبة الجيش الأقوى في الشـرق الأوسط، وظهر جنوده أذلاء يُساقون إمّا قتلى أو أسرى بين أيدي المجاهدين وأقدامهم، لذلك تداعت الأمم الغربية بكل ما تملك من قوّة لدعم الكيان، الذي لم يجد أمامه سوى الأبرياء للانتقام منهم. وقد اعترف الاتحاد الأوروبي أن ما أسقط من قنابل، وما تمخّض عنها من دمار، يفوق ما ألقي على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. وبالرّغم من هذه الحقيقة، التي لا تحتاج إلى أجهزة مخابرات لإدراكها، إلّا أن هذا العالم الذي ظلّ يتغنّى بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، سكت - وما زال ساكتاً - على كل ما يرتكب من جرائم ضد الإنسانية في غزة وسائر فلسطين.
2- انتهت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وصارت الأمة بأسرها أمام أنموذج انتصار تحقق بإمكانات سخرت بإعداد محكم، وأخذت الأجيال جرعة أمل منعشة، أحيت فيها نَفَس المقاومة والرغبة بالانتصار.
هذا الأمل لم يقتصـر على الشعوب فقط، بل تعدّاه إلى المؤسسات العسكرية الرسمية، التي صودرت إرادتها على مدار عقود، وسُخّرت طاقتها، ووُجّهت بنادقها نحو الجماهير بدل الأعداء، وسيظهر جيلٌ من العسكر - على المدى الاستراتيجي - يأخذ بنظر الاعتبار هذا الحدث، فثمة جمر متقد تحت الرماد، وإن غاب عن الأعين بصيصه.
3- نجحت المعركة في إيقاف قطار التطبيع، وأوقفت تدحرج كرته إلى أمد بعيد، وباتت القيادة السعودية - خصوصاً - في حرج أمام شعبها وشعوب العالم، إذا ما واصلت مساعي التطبيع التي بدأت من فترة ليست بالبعيدة، وتم خلط الأوراق على الإدارة الأمريكية، والكيان، في الوقت نفسه.
4- نجحت المعركة في إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام الدولي، وباتت الدول الغربية تتحدّث عن حلّ الدولتين، وضرورة الإسراع بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، بعد تصفية حماس كما يأملون. ولم تكن هذه الدول تكلف نفسها سابقاً حتى بمراجعة اتفاقية أوسلو، وسلطتها، التي خرج رأسها قبل معركة طوفان الأقصـى بأشهر؛ وهو يتوسل الحماية من على منصة الأمم المتحدة، ولو على غرار حماية الحيوانات -حسب تعبيره - في خطاب مسجّل.
5- نجحت المعركة في إعادة الأمل بالتغيير - مرة ثانية - إلى شعوب المنطقة، بعد أن نجحت الثورات المضادة في إجهاض تطلعاتها بإحباط مشاريع التغيير في الربيع العربي، لذلك نجد الدول التي قادت الثورات المضادة في قلب المعركة مصطفة إلى جانب الغرب والكيان في مساعيه لتصفية حماس، حسب تسريبات الصحافة الغربية.
6- نجحت معركة طوفان الأقصـى في إعادة الوجه الناصع للجهاد؛ فكراً وممارسةً، كمبدأٍ إسلاميّ أصيل شُرع للأمة للدفاع عن أوطانها ومقدّساتها أولاً، ولتحرير العالم من جور الحكام وظلم الأنظمة، بعد أن شوّهته الحركات العنفية، التي استُخدمت أغلبها من قبل أجهزة المخابرات المعادية للإسلام في تشويه صورة الجهاد، بل إن دوائر المخابرات الغربية عملت على إنشاء بعض تلك الحركات، وتوظيفها لهذا الغرض، وأغراض أخرى، لتخدم مصالحها.
وقد آتى التكتيك أكله، ونجح في تشويه صورة الإسلام عموماً، عبر طرح الجهاد كوسيلة متوحّشة للهجوم على مظاهر التحضـر. وبلغ هذا النجاح ذروته حين باتت الحركات الإسلامية تتعامل مع لفظة الجهاد ومنهجيّته بتحفّظ، بل إن بعضها عمد إلى إزالة أي لفظ أو عمل يمكن أن يشير إلى الجهاد من قريب أو بعيد، خشية الدخول في دوائر التصنيف العالمي، حتى إن حركة مثل الإخوان المسلمين، تستند أدبياتها إلى الجهاد بمعانيه الشمولية في تكوين الفرد وبناء الشخصية؛ أصبحت تتعامل مع الجهاد - في بعض الأقطار - بتحفّظ، وتحرص على إزالة اللّفظة، أو ما يدلّ عليها من مناهجها وخطابها العام، كردِّ فعل على عمليّة التجريم للقيمة التي جعلها الإسلام من أهمّ أركانه.
إن تأييد 51% من الشباب الأمريكي لحركة حماس اليوم، وَفْقاً لاستطلاع أجرته جامعة هارفارد، للفئة التي تتراوح أعمارها بين 18 و24 عاماً، يقدّم دليلاً دامغاً على أن هذه المعركة أبطلت عقوداً من المكر والإنفاق الذي بذل لتشويه صورة الإسلام وذروة سنامه الجهاد، وكفى به مكسباً.
 
ختاماً:
من هذه القراءة يمكنني أن أخلص إلى أمرين اثنين؛ الأول: أنّ النصـر الاستراتيجي تحقق بشكله الناجز منذ اللّحظة الأولى لنجاح مجاهدي القسّام في عبور التحصينات والجدر المنيعة التي كان يختبئ وراءها الصهاينة، والعودة بالغنائم، وتحطيم فرقة غزة لأقوى فرق جيش الاحتلال.
الثاني؛ أنّ النصـر التكتيكي في ساحة المعركة قادم لا محالة، فمطاولة العدو في الحرب قصيرة، وقدرته على الصمود أمام الحروب الطويلة، وتحمل الخسائر، ضعيفة للغاية، وهو ما تشير إليه جلّ التحليلات العسكرية الصّادرة من الشـرق والغرب، والبلاء الذي يبليه المجاهدون الفلسطينيون في الميدان، له أثر عميق، ونتائج وخيمة على الكيان الغاصب، سرعان ما ستتكشّف ما إن ينجلي غبار المعركة، ولا أدل على عمق أثره من حالة الهستيريا التي أصابت آلة التدمير العسكرية الصهيونية، التي لم تجد أمامها إلا تجريف المقابر، والانتقام من جثث الشهداء، سبيلاً لأخذ الثأر. وأتوقع أن هذا الصبر والمصابرة والمثابرة للمقاومة؛ ستستمر بإذن الله، وإنما النصـر صبر ساعة، وإن معركة طوفان الأقصى ستكون فرقاناً؛ فما بعدها لن يكون كما قبلها.
 
---
¨ مجلة الحوار ǀ العدد 186 ǀ السنة الحادية والعشرون ǀ شتاء 2023

. مواضیع ذات صلة
  • جامعة الأزهر تخصص 25 مقعدا للطلاب الكورد سنويا

    للكورد حضور بارز في مصر، إذ يتوزعون على محافظات عدة، ورغم انصهارهم في المجتمع المصري إلا أنهم لا زالوا محتفظين بإصولهم وعاداتهم وتقاليدهم. ويرجع انتشار الكورد بشكل كبير في هذا البلد مع تباشير الفتح الإسلامي لكوردستان، ومنذ ذاك الوقت أصبحوا جزءاً من ا

  • طوفان الأقصى فرقان بين مرحلتين

    سمى الله تعالى معركة بدر بـ(يوم الفرقان)، لأنها كانت فارقةً بين مرحلتين يحكمهما ظرفان مختلفان من عمر الدعوة الإسلامية؛ مرحلة الاستضعاف حيث كانت الدعوة فيها سلمية، ولا تملك دولة تسندها، وتنافح عن وجودها، ومرحلة التمكين حيث أصبح للدعوة كيان وقوة ووجود

  • موقف بريطانيا من الكورد بعد الحرب العالمية الأولى

    أثناء الحرب العالمية الأولى، تحاربت قوى الوفاق (بريطانيا وفرنسا وصربيا والإمبراطورية الروسية)، (وانضمت لها لاحقًا: إيطاليا واليونان والبرتغال ورومانيا والولايات المتحدة)، وقوى المركز (ألمانيا والنمسا - المجر)، (وانضمت لها لاحقًا: الإمبراطورية العثمان