هـه‌واڵـه‌كـان وتــار بـه‌رنـامـه‌ درامـــا وه‌رزش ته‌كنه‌لۆجیا پـه‌یـوه‌نـدی ده‌ربــاره‌

موقف بريطانيا من الكورد بعد الحرب العالمية الأولى

أثناء الحرب العالمية الأولى، تحاربت قوى الوفاق (بريطانيا وفرنسا وصربيا والإمبراطورية الروسية)، (وانضمت لها لاحقًا: إيطاليا واليونان والبرتغال ورومانيا والولايات المتحدة)، وقوى المركز (ألمانيا والنمسا - المجر)، (وانضمت لها لاحقًا: الإمبراطورية العثمانية وبلغاريا).

نظمت بريطانيا حملة بلاد الرافدين، للسيطرة على أراضي العراق، فهي حملة عسكرية شنها الحلفاء (ممثلة بالإمبراطورية البريطانية) ضد الدولة العثمانية، في المسرح الشرقي للحرب العالمية الأولى، في بلاد الرافدين (العراق الآن)، حيث أنزلت القوات البريطانية جنودها في (الفاو)، وبدأت البحرية البريطانية بقصف الحصن القديم للفاو في ولاية البصرة، عند مصب شط العرب في الخليج العربي.

 وكان في مواجهة الإنزال البريطاني في الفاو، ما يقارب 350 جندياً عثمانياً، وأربعة مدافع فقط. وبحلول منتصف نوفمبر، تم إنزال نصف فرقة البونا على الشاطىء، وتحركت هذه الفرقة نحو الشمال، نحو البصرة، فاحتلتها في 6 نوفمبر 1914، بعد انسحاب القوات العثمانية منها، ثم واصل الإنجليز تقدمهم، وهم يتوغلون في الأراضي العراقية، إلا أنهم تعرضوا لخسائر كبيرة، وخاصة في واقعة كوت العمارة، في العام 1916م، حيث استسلمت القوات البريطانية، التي ضمت خمسة جنرالات، و 277 ضابطاً إنكليزياً، و 274 ضابطاً هندياً، 13300 جندياً، فكانت هذه ضربة قوية للبريطانيين. إلا أنهم سرعان ما عاودوا المعارك، مستعينين بالقوة الجوية، واصطدموا بالقوات العثمانية، وحققوا انتصارات ميدانية عليهم، إلى أن دخلوا بغداد في 11 مارس 1917، بعد قصفها من قبل ثلاثة طائرات بريطانية. وبعد أسبوع من سقوط المدينة، أصدر الجنرال البريطاني (مود) بيان بغداد، والذي احتوى على العبارة الشهيرة: (لم تأت جيوشنا إلى مدينتكم وأرضكم كغزاة أو أعداء، ولكن كمحررين).

بدأت مفاوضات الهدنة بين جيش الحلفاء والجيش العثماني، شهر تشرين الأول من العام 1918، وبالرغم من ذلك، فقد نفذ الجنرال (مارشال) التعليمات الصادرة لهُ من مكتب قيادة الأركان البريطانية، للقيام بالهجوم للمرة الأخيرة، وكان النص كالتالي: «كل مجهود يجب أن يبذل لتحقيق أكبر تقدم ممكن باتجاه نهر دجلة، قبل صفارة النهاية». وهكذا، وللمرة الأخيرة، قاد الجنرال (كوب) قوة بريطانية من بغداد، في 23 تشرين الأول 1918، وفي خلال يومين غطى مساحة 120 كيلو متراً مربعاً، حتى وصل لنهر الزاب الصغير، حيث توقع مواجهة الجيش العثماني السادس بقيادة إسماعيل حقي، ولكن العثمانيين انهزموا مجدداً، وانتصر الجيش البريطاني مرة أخرى في (معركة الشرقاط).

اضطر العثمانيون إلى التفاوض مع القوات الغازية، وبعد لقاءات عديدة، وفي 30 تشرين الأول 1918، وقعت (هدنة مودروس)، ووافق الطرفان على الأوضاع والمستجدات القائمة على الساحة حينذاك، ووافق الجنرال (مارشال) على استسلام خليل باشا، والجيش السادس العثماني، في اليوم نفسه، ولكنهُ استمر في التقدم، واستولى على (ولاية الموصل)، بعد ثلاثة أيام من توقيع الهدنة، ودخلتها القوات البريطانية في الرابع عشر من شهر تشرين الثاني من العام 1918م، بعد أن انسحبت القوات العثمانية نحو الجزيرة ونصيبين، ليكون ذلك إيذاناً بانتهاء الحرب على أرض العراق ووادي الرافدين، بانتصار الحلفاء، وعلى رأسهم البريطانيون، الذين بلغ عدد جنودهم في المنطقة، في نهاية العام 1918م، حوالي 410000 جندي.

 أفرزت نتائج الحرب، وهزيمة الدولة العثمانية، معطيات جديدة على الساحة، حيث نشأت الدول على أساس القومية في المنطقة. وبما أن الكورد كانوا من القوميات الكبيرة في الشرق الأوسط، كان طبيعياً أن تبرز الحاجة إلى ظهور حركات ثورية، ونخب سياسية، تدعو إلى إقامة دولة قومية خاصة بهم، على أراضيهم الشاسعة في المنطقة. وأخذت هذه الدعوات أنماطاً متنوعة؛ منها نشاط الصحف، والجمعيات الكوردية، العديدة، التي دعت إلى استقلال كوردستان، وتأسيس دولة كوردية، على غرار الدول العربية التي نشأت بعد حركة الشريف حسين شريف مكة، وقتاله العثمانيين إلى جانب المستعمرين البريطانيين، وبالاستعانة بوعود الحلفاء، وخاصة بريطانيا، التي طالبت بتحرير الشعوب الخاضعة للدولة العثمانية.

 كما اتخذت التحركات الكوردية طابعاً ميدانياً، تصدرهُ المثقفون، وبعض الشخصيات المدنية المعروفة، والزعماء الميدانيون من الأغوات ورؤساء العشائر، خصوصاً بعد وصول الضابط الإنكليزي (نوئيل) إلى مناطق كوردستان، والاتصال بالزعماء ورؤساء العشائر الكوردية، لمعرفة موقفهم من العرض البريطاني (بفصل كوردستان عن تركيا)،  الذي كان يردد وبحماس: بأن على الكورد الاعتماد على وعود بريطانيا العظمى. وقد عزز ذلك الدعوة لعقد مؤتمر للسلام (مؤتمر الصلح)، لإعادة تقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية، بشكل خاص.

مؤتمر الصلح في باريس 1918م:

انعقد في (باريس)، بمشاركة 32 دولة، ووفود غير رسمية، في 18 كانون الثاني 1918، واستمرت أعماله لغاية 21 كانون الأول من عام 1920، حيث ساد المؤتمر جو من التنافس الاستعماري بين الدول المنتصرة (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا)، لتقسيم ممتلكات (ألمانيا، والإمبراطورية العثمانية). وجاءت معظم قرارات المؤتمر لصالح كل من بريطانيا وفرنسا، وحاول الكورد تحقيق أمانيهم القومية بالاستقلال عن الدولة العثمانية، من خلال هذا المؤتمر، معتمدين على وعود بريطانيا، ومبادئ الرئيس الأمريكي (ولسون)، في (حق الشعوب في تقرير مصيرها).

موقف بريطانيا:

كانت بريطانيا من أكثر الدول اهتماماً بكوردستان؛ كأرض وثروة، وليس كشعب، بسبب موقعها الهام في قلب الشرق الأوسط، الذي كانت بريطانيا تسعى للسيطرة عليه برمته، ولقربها من منطقة الخليج، ومنابع النفط العربية والإيرانية. وازداد هذا الاهتمام بعد اكتشاف النفط فيها، وبكميات كبيرة، خصوصاً في منطقة كركوك ومحيطها. إلا أنه من الملاحظ، من خلال سير الأحداث والوقائع التاريخية وقتذاك، أن الإنكليز لم يمنحوا الشعب الكوردي الاهتمام الكافي، الذي يؤدي إلى منحهم حق تأسيس دولة قومية خاصة بهم على أراضيهم، لذلك نرى موقفهم يتذبذب بين الجدية حيناً، وبين التضحية بالكورد، عندما تأتي اللحظة التي يحسون فيها أن مصلحتهم تستدعي التضحية بهم لصالح تعزيز مصالحهم في المنطقة، حيناً آخر. فعلى الرغم من أن القضية الكوردية احتلت مكاناً بارزاً في (معاهدة سيفر)، إلا أن القوى العظمى تخلت عن حقوق الكورد خدمة لمصالحها الاستعمارية في المنطقة، فقد خصص القسم الثالث من الباب الثالث من المعاهدة لمعالجة المسألة الكوردية، وحمل هذا القسم عنوان (كوردستان)، ويتألف من المواد 64,63,62، التي كانت ستؤدي إلى إنشاء دولة كوردية مستقلة في المنطقة، وخاصة الأراضي الواقعة تحت سيطرة الأتراك، في حين يمكن أن ينضم إليها أكراد كوردستان العراق (ولاية الموصل)، إذا أرادوا ذلك. فبحسب المادة 62 تقوم لجنة ثلاثية مكونة من ممثلي الحكومات البريطانية والفرنسية والإيطالية، خلال ستة أشهر من تاريخ تنفيذ هذه المعاهدة، بإعداد مشروع حكم ذاتي محلي للمناطق التي يشكل فيها الأكراد الأكثرية، والتي تقع إلى الشرق من الفرات، وإلى الجنوب من الحدود الجنوبية لأرمينيا، كما تحدد فيما بعد، وإلى الشمال من الحدود التركية مع سوريا وميزوبوتاميا، بشكل متوافق مع الوصف الوارد في (3,2,11) من البند السابع والعشرين من المعاهدة، وفي حالة حدوث اختلاف في الرأي حول موضوع ما، يعرض الاختلاف من قبل أعضاء اللجنة على حكوماتهم المعنية. ويجب أن تتضمن هذه الخطة الضمانات التامة لحماية الآشوريين – الكلدان، وغيرهم من الأقليات العنصرية أو الدينية الداخلة في هذه المناطق. ومن أجل هذا الغرض تقوم لجنة مؤلفة من ممثلين (بريطاني، وفرنسي، وإيطالي، وإيراني، وكوردي)، بزيارة الأماكن، لدراسة التغيرات التي يجب إجراؤها، عند الحاجة، في الحدود التركية حيثما تلتقي بالحدود الإيرانية، ولتقريرها، بحكم قرارات هذه المعاهدة.

أمّا البند 63 ، فينص على تعهد الحكومة التركية، من الآن، بالاعتراف بقرارات اللجنتين المذكورتين في البند 62 ، والقيام بتنفيذها خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إبلاغها بها. فيما كان البند 64 يؤكد على أنه إذا راجع الأكراد، القاطنون في المناطق الواردة ضمن البند 62، مجلس عصبة الأمم خلال سنة من نفاذ هذه المعاهدة، مبينين أن أكثرية سكان هذه المناطق يرغبون في الاستقلال عن تركيا، وإذا وجد المجلس آنذاك أن هؤلاء جديرون بمثل ذلك الاستقلال، وإذا أوصى – المجلس – بمنحهم إياه، فإن تركيا تتعهد من الآن أن تراعي تلك الوصية، فتتخلى عن كل ما لها من حقوق وحجج قانونية في هذه المناطق، وتصبح تفاصيل هذا التنازل موضوع اتفاق خاص بين الدول الحليفة الرئيسة وتركيا، وإذا وقع مثل هذا التخلي، وفي الوقت الذي يحدث فيه، فإن الدول الحليفة الرئيسة لن تضع أي عراقيل بوجه الانضمام الاختياري للأكراد القاطنين في ذلك الجزء من كوردستان، الذي ما زال حتى الآن ضمن ولاية الموصل، إلى هذه الدولة الكوردية المستقلة.

 كما تطرقت المعاهدة إلى القضية الكوردية أكثر من مرة، خلال مناقشة المسألة الأرمنية ومسألة الأقليات داخل تركيا، كالفصل الرابع الذي هدف إلى حماية الأقليات، والفصل السادس الذي حمل عنوان (أرمينيا)، والفصل السابع، الذي حمل عنوان (سوريا، وادي الرافدين، فلسطين).

كانت بنود المؤتمر فرصة حقيقية للكورد للوصول إلى حلم دولة قومية خاصة بهم، إلا أن مجريات الأحداث، والتغيرات الميدانية، وأطماع بريطانيا في المنطقة، كان لها رأي آخر. فكل الدلائل كانت تشير إلى أن الحلفاء لم يكونوا جادين في تنفيذ بنود المعاهدة بالقوة، إذ لم تصادق عليها من بين جميع الدول الموقعة عليها سوى إيطاليا، نتيجة تغير موازين القوى، وتعزيز موقع الكماليين في (أنقرة)، الذين لم يعترفوا بحكومة فريد باشا، التي وقعت على (معاهدة سيفر)، وخارجياً بفضل إقامة علاقات وطيدة مع الاتحاد السوفياتي، وإبرام معاهدة موسكو (معاهدة الأخوة والصداقة)، مع روسيا الاتحادية، في 1921/3/16، التي تضمنت التعاون المشترك بين البلدين، وتقديم الدعم المادي والعسكري لتركيا، بالإضافة إلى  إعادة ترسيم الحدود بين البلدين، واقتسام بعض الأراضي. وأدت إلى تغيير موقف الدول الغربية من تركيا. فوق كل ذلك لم تكن بريطانيا، في المقام الأول، جادة منذ البداية في تشكيل دولة كوردية مستقلة، وإلا كان الأمر ممكناً في البداية، كما كان سهلاً وممكناً تأسيس دول أخرى من قبلها؛ كالأردن، والعراق، وسوريا، وغيرها، ولكنها الرغبة الاستعمارية القائمة على المصالح المادية، والممزوجة بالذاكرة التاريخية، والدينية، لها، تجاه إحدى الشعوب العريقة في المنطقة. وبدا جلياً أن الكورد لن يكون لهم نصيب في تشكيل دولتهم، بعد تغير موقف الحلفاء، وبروز مستجدات جديدة على الساحة، والتي تم مناقشتها في (مؤتمر لندن)، في العام 1921م.

مؤتمر لندن 1921:

عقد في العاصمة البريطانية بين الحلفاء وتركيا «بمشاركة وفد تركي موحد برئاسة أول وزير خارجية تركي: بكر سامي بك، وفي 26 شباط 1921 جرى بحث المسألة الكوردية بصورة خاصة ومنفردة، وألمحت دول الحلفاء إلى أنها (تعتزم تقديم تنازلات أمام تركيا، وإعادة مناقشة مستقبل كوردستان وأرمينيا)، وأخذت فرنسا بمغازلة مصطفى كمال أتاتورك، الذي حسن وضعه الداخلي بالتحالف مع الاتحاد السوفياتي، وبالانتصارات المتتالية على القوات اليونانية، كما أن بريطانيا وجدت أن حكومة انقرة ثابتة على موقفها المعارض لإقامة أي كيان مستقل للكورد، لذلك ألمحت إلى أنها على (استعداد لتعديل معاهدة سيفر)، دون المساس بجوهرها العام، وبذلك تخلت بريطانيا عن الاستقلال والدولة الكوردية، وطلبت من الحكومة التركية (منح الاستقلال الذاتي للولايات التي يعيش فيها غالبية كوردية، وتحديد حدودها بدقة). وجاء تنصل البريطانيين من معاهدة سيفر بعد أن ضمنت سيطرتها على (ولاية الموصل)، وبعد تحسن العلاقات البريطانية – التركية. الذي يبدو أن ولاية الموصل كانت ثمناً لوأد الحلم الكوردي في الاستقلال، منحه الأتراك للإنكليز ليضمنوا سكوتهم وتراجعهم. وهكذا كان مؤتمر لندن أكثر من خطوة إلى الوراء بالنسبة للقضية الكوردية، تخلت فيه بريطانيا عن كوردستان لأنقرة، عدا كوردستان الجنوبية، التي تقع ضمن ولاية الموصل، والتي بقيت ضمن سيطرتهم، والتي ستمنحها للدولة العراقية الوليدة، وعاصمتها بغداد.

إزاء هذا التطور الجديد كان لا بد من إطار قانوني جديد لتكريس التقسيمات الجديدة في المنطقة، لتأخذ طابعاً ثابتاً متفق عليه بين القوى الاستعمارية، لذلك تمت الدعوة لعقد مؤتمر جديد في مدينة (لوزان) بسويسرا، في 20 تشرين الثاني من العام 1922، الذي استمر لثمانية أشهر، مع انقطاعات بلغت حوالي 3 أشهر. كان هدف المؤتمر التفاوض على معاهدة جديدة مع تركيا، التي رفضت الاعتراف بمعاهدة سيفر. وبعد مفاوضات شاقة وطويلة، تم تسوية الخلافات بين بريطانيا، فرنسا، تركيا. وقد ترأس الوفد التركي (عصمت إينونو)، بمشاركة حاخام يهودي، ومنذ افتتاح الجلسة الأولى للمؤتمر لوحت (بريطانيا وفرنسا) إلى أنها مستعدة للتنازل والوصول إلى حلول وسط، ورضخت للشرط التركي برفض مشاركة أي وفد كوردي في المؤتمر، ومنع مناقشة القضية الكوردية في كوردستان تركيا بشكل خاص. وكانت بريطانيا وفرنسا على استعداد للتنازل عن بعض امتيازاتهما في تركيا، خوفاً من ارتمائها في أحضان الاتحاد السوفياتي، الذي يشكل خطراً على مصالحهما في المنطقة، لذلك وافقت على الشروط التركية. وبذلك تعزز موقع  تركيا في المنطقة، وعلى الساحة الدولية، وتغيرت موازين القوى لصالح حكومة أنقرة، التي انفردت بالحكم في تركيا، بإلغاء السلطنة وحكومة الباب العالي، ونقل العاصمة من اسطنبول إلى أنقرة، وإلغاء الخلافة، وإعلان النظام الجمهوري في 1923.

ولعدم وجود وفد كوردي مستقل يمثل الكورد في المؤتمر، لم تطرح القضية الكوردية في (لوزان)، فقد تجاهلت القوى المتصارعة، خاصة بريطانيا وفرنسا، مصير الشعب الكوردي، ووعودهم بإنشاء دولة كوردية. وقد استُخدِمَ اسم الكورد وكوردستان من قبل الجميع للابتزاز والمساومة، والانطلاق منه لتحقيق مصالحهم الخاصة. وفي 24 تموز 1923 تم طي صفحة (سيفر)، ولم يرد ذكر للكورد في بنود المعاهدة الجديدة الـ 143 (معاهدة لوزان)، التي تم التوقيع عليها في المدينة السويسرية.

بات واضحاً أن السياسة الاستعمارية للبريطانيين في المنطقة قضت بدمج الكورد بالدول الوليدة التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، ففي مملكة العراق الجديدة، عمل المستعمر البريطاني على دمج الشعب الكوردي وتهدئة نقمته، من خلال الدعوة ظاهرياً إلى حفظ حقوق الكورد في مؤسسات الدولة، وإشراكهم في إدارة الدولة والوظائف. وفي الوقت نفسه كانت تعمل على توطين الآثوريين التياريين، الذين دخلوا المنطقة أيام الحرب في الجبال والمناطق المحاذية لحدود الدولة التركية الجديدة، الأمر الذي يعني السيطرة على تلك المناطق التي تعتبر موطناً للعشائر الكوردية، مما يعني الصدام الحتمي بينها وبين الوافد الجديد، الذي يعمل المستعمر البريطاني على توطينه. وهذا ما حدث فعلاً، حيث شهدت منطقة كوردستان العراق صدامات عسكرية عديدة بين أبناء العشائر الكوردية، من جهة، وبين القوات البريطانية، ومليشيات الآثوريين.

كما أن الاتراك استغلوا الوضع المتوتر في المنطقة، فعملوا على زعزعة الأمن، وسحب بعض زعماء هذه العشائر إلى جانبهم، وقد نجحوا في ذلك إلى درجة كبيرة أجبرت الحكومة العراقية في العام 1924م على إعلان الأحكام العرفية في قضائي زاخو والعمادية، بعد أن تمكنت العشائر الكوردية من مهاجمة البريطانيين، والقوات الموالية لهم، في المنطقة، وأوقعت خسائر في صفوفهم.

قامت بريطانيا بإلحاق المناطق الكوردية بالدولة العراقية، وعاصمتها بغداد، فأسست لواء فرعياً ضمن لواء الموصل، يتكون من أقضية زاخو والعمادية ودهوك وعقرة، ومركزه دهوك، ويكون تحت هيمنة معاون للمتصرف البريطاني، ويكون القائممقامون بريطانيين، على أن يحل محلهم موظفون من الكورد والعرب الذين يحسنون اللغة الكوردية ويرضى عنهم الكورد. كما أشرف الضباط البريطانيون على إدارة أربيل وكويسنجق ورواندوز، أما السليمانية فتعامل كمتصرفية يحكمها متصرف شورى، يتم تعيينه من قبل المندوب، ويلحق به مستشارون بريطانيون، ويكون القائممقامون بريطانيين، على أن يحل محلهم موظفون كورد، حين يتوفر أصحاب الكفاءة. وفي كركوك تم تعيين متصرف تحت إشراف بريطاني مباشر، وقد تم إلحاق لوائي الموصل وأربيل بالمملكة العراقية. أما السليمانية، فرفضت الانضمام إلى العراق، والتصويت للملك فيصل الأول، وطالب المثقفون، ورؤساء العشائر، وأبناء العوائل الكبيرة المعروفة، في المدينة، بتأسيس دولة كوردية مستقلة تكون تحت الانتداب البريطاني. إلا أن هذه المطالبات لم تلق أي استجابة من المستعمر البريطاني، الذي عمل باستمرار على دمج الكورد ومناطقهم بالدولة العراقية الوليدة، الأمر الذي أدى إلى وقوع اضطرابات كبيرة في السليمانية، ولحقتها أربيل، زعزعت أركان الاستعمار فيها، والسبب هو إعلان الشيخ محمود الحفيد نفسه ملكاً على كوردستان، واستعداده لمهاجمة كركوك. الأمر الذي دفع البريطانيين إلى شن حملة عسكرية عليه، وبعد صدامات، انكسر الحفيد، وانسحب من السليمانية، ثم عاد إليها بعد عام من الواقعة.

بعد فقدان الكورد لأي أمل في تشكيل دولة قومية لهم، بعد معاهدة لوزان، حاولت بريطانيا مسايرتهم، وتهدئة الغضب العارم في نفوسهم، فاتخذت إجراءات إدارية، من خلال حكومة بغداد، التي قررت في 11 تموز من العام 1923م، عدم تعيين أي موظف عربي في المناطق الكوردية، ما عدا الموظفين الفنيين، وأعلنت أنها لا تنوي إجبار السكان المحليين على استعمال اللغة العربية في مراجعاتهم الرسمية، وأنها تنوي الحفاظ على حقوق السكان والطوائف الدينية في تلك الأقضية، والسماح لنواب المنطقة بالدخول في المجلس التأسيسي العراقي لتمثيل مناطقهم. فكان نتيجة ذلك أن دخل خمسة نواب عن السليمانية للمجلس المذكور، وبدأوا بممارسة العمل النيابي، كتجربة جديدة لهم في بغداد.

كان هذا على الصعيد الرسمي، وعلى صعيد المؤسسات الإدارية. أما على الصعيد الميداني والعسكري، فالوقائع تقول إن البريطانيين؛ في تقاريرهم الاستخبارية العسكرية، ومخاطباتهم للجهات العليا، كانوا يصفون الأكراد بالمخربين، وزعماء العشائر بالإقطاعيين، والباحثين عن السلطة والنفوذ والمال، وحتى عندما يأتون على ذكر الصدامات العسكرية، وتحركات العشائر ضد قواتهم المحتلة للمنطقة، فإنهم يتجاهلون الأسباب الحقيقية التي تدفع الكورد لمقاتلتهم وضرب مصالحهم، خاصة وأن المحتل البريطاني كان يعمل بكل ما أوتي من قوة على توطين الآثوريين في مناطق الكورد، ويصنع منهم قوة مقابل سكان المنطقة، متجاهلين بذلك الجانب العقائدي والقومي لأهل المنطقة، وما قد يسببه من توترات ومشاحنات على مختلف الأصعدة.

ما يمكننا قوله على العموم هو أن البريطانيين، باعتبارهم القوة النافذة والمسيطرة على المنطقة، هم من كانوا السبب الحقيقي والفعلي لتقسيم مناطق كوردستان، وهم من أدار ظهره لتطلعات وطموح الشعب الكوردي، وهم من ضحوا بهم في سبيل مصالحهم الاستعمارية والاقتصادية في المنطقة. ولم يكتفوا بذلك، بل وقفوا حجر عثرة أمام أي محاولة أو حركة ثورية وتحررية للكورد في المنطقة، فواجهوها بالقوة، وقضوا عليها في مهدها. وفضل البريطانيون أن يتركوا الكورد كأقليات ضمن دول إقليمية وليدة، على أن يكون لهم دولة قومية خاصة بهم. وهذا الوزر التاريخي هم من يتحمله، وسيتحملونه ما دامت الدنيا، وما دام هناك شعب حي موجود اسمه الكورد، على هذه الأرض.

 

قائمة المراجع

1-      1- جيرارد جالياند، شعب بلا وطن الكورد وكوردستان، ترجمة: عبدالسلام النقشبندي، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، إقليم كوردستان العراق، 2012م.

2-       2- عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد، 1376ه-1956م، ج8.

3-      3-  عبدالرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، مطبعة العرفان، صيدا، 1373ه-1953م، ط2.

4-      4- عبدالرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، دار الرافدين، بيروت، لبنان، 1429ه-2008، ط8.

5-    5-   فاضل حسين، مشكلة الموصل دراسة في الدبلوماسية العراقية – الإنكليزية- التركية وفي الرأي العام، مطبعة الرابطة، بغداد، 1955م.

6-    6- محمد مظفر الأدهمي، العراق تأسيس النظام الملكي وتجربته البرلمانية تحت الانتداب البريطاني 1920م-1932م، مكتبة الذاكرة، بغداد، 2009م.

7-     7-  وليد حمدي، الكورد وكوردستان في الوثائق البريطانية، مطابع سجل العرب، مصر، 1992م.

8-    8-   الونداوي، أضواء على التاريخ الحديث لمنطقة وسط كوردستان، مكتبة دجلة، بغداد، العراق، ط1، 2021م.

9-       النص الكامل لمعاهدة لوزان، المعهد المصري للدراسات، ترجمة: عادل رفيق، القاهرة، 2020م.

---

¨ مجلة الحوار ǀ العدد 186 ǀ السنة الحادية والعشرون ǀ شتاء 2023

. بابه‌تی هاوبه‌ش
  • جامعة الأزهر تخصص 25 مقعدا للطلاب الكورد سنويا

    للكورد حضور بارز في مصر، إذ يتوزعون على محافظات عدة، ورغم انصهارهم في المجتمع المصري إلا أنهم لا زالوا محتفظين بإصولهم وعاداتهم وتقاليدهم. ويرجع انتشار الكورد بشكل كبير في هذا البلد مع تباشير الفتح الإسلامي لكوردستان، ومنذ ذاك الوقت أصبحوا جزءاً من ا

  • طوفان الأقصى فرقان بين مرحلتين

    سمى الله تعالى معركة بدر بـ(يوم الفرقان)، لأنها كانت فارقةً بين مرحلتين يحكمهما ظرفان مختلفان من عمر الدعوة الإسلامية؛ مرحلة الاستضعاف حيث كانت الدعوة فيها سلمية، ولا تملك دولة تسندها، وتنافح عن وجودها، ومرحلة التمكين حيث أصبح للدعوة كيان وقوة ووجود

  • موقف بريطانيا من الكورد بعد الحرب العالمية الأولى

    أثناء الحرب العالمية الأولى، تحاربت قوى الوفاق (بريطانيا وفرنسا وصربيا والإمبراطورية الروسية)، (وانضمت لها لاحقًا: إيطاليا واليونان والبرتغال ورومانيا والولايات المتحدة)، وقوى المركز (ألمانيا والنمسا - المجر)، (وانضمت لها لاحقًا: الإمبراطورية العثمان

نرخی دراوه‌كان

100 دۆلار
150,350 دینار
100 یۆرۆ
159,216.00 دینار
100 پاوه‌ند
186,000.00 دینار
100 لیره‌
6.000 دینار
100 تمه‌ن
2.59 دینار