تركيا وخطيئة عفرين

04/02/2020 - 04:39 نشر في عربی-آراء

زيرفان البرواري – أكاديمي كوردي

شهدت السياسة الخارجية التركية تغيرات دراماتيكية استجابة للتحديات الامنية على المستوى الإقليمي، وفقدان أنقرة للمزيد من أوراقها في إدارة السياسة الخارجية تجاه الشرق الاوسط بصورة عامة، وتجاه العراق وسوريا بصورة خاصة.

إن تنمية الطموح القومي الكوردي أفرزت حالة من الفوبيا السياسية لدى تركيا، خاصة أن أي استقلال كوردي على حدود الدولة التركية يعد خطرا استراتيجيا على وحدة الاراضي التركية وكذلك أمنها ومصلحتها القومية، طبعا حسب صناع القرار في أنقرة.

أفرزت المعضلة السورية حالة من الارتباك في السياسة الخارجية التركية وأبعدتها عن استراتيجية العمق التاريخي والثقافي، التي وفرت على تركيا الكثير من الجهد والامتيازات الاقتصادية على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط.

ان التخوف التركي من ظاهرة تنامي دور الحركات القومية الكوردية قد أربك الاولويات في صناعة القرار لدى أنقرة، وإذا لم تنظم هذه الرؤية لدى الأتراك وفق معادلة الفقد والاستفادة فإن النمو الاقتصادي والاستقرار الداخلي التركي قد يتعرضان لزلزال أمني وسياسي يهدد الأمن الاجتماعي التركي، خاصة أن التجاذبات الدولية والإقليمية في ذروتها في كل مِن سوريا والعراق، وأن أي مغامرة تركية غير مدروسة سوف تضر بالمصالح الاستراتجية التركية، بعد أن تتحول الشعوب والاقليات في الداخل التركي وفي حدودها الإقليمية إلى أعداء للمصالح التركية.

  والعملية العسكرية في عفرين -رغم الاهداف الإعلامية- لا تخدم أنقرة على المدى البعيد، وذلك لأن الكورد يشكلون شريطا حدوديا يمكن أن يهدد المصالح التركية وأمنها القومي في أية مرحلة، وإذا ما قرر حزب العمال الكوردستاني إعلان حالة الحرب الشاملة ضد تركيا. وفِي الجانب الآخر فإن النظام السوري سيكون المستفيد من إضعاف الاكراد بعد تدهور حالة المعارضة العربية والجيش السوري الحر، فضلا عن خدمة إيران التي ترى في الكورد عامل تهديد لنفوذ طهران المتزايد في تركيا، وفي نفس المضمار التأثير سلبا على التواجد التركي وخلق حالة العداوة ضد أنقرة من قبل الكورد ليس فقط في تركيا وإنما في البعد الإقليمي أيضا.

 إن العقلية العسكرية التي تدار بها ملفات السياسة الخارجية في أنقرة تعبر عن انعدام الاستراتيجية الواضحة القائمة على دراسة بعيدة المدى للمصالح التركية في المنطقة، خاصة العلاقة مع الكورد في البعدين المحلي والإقليمي. إن التجاذبات الإقليمية وإعادة توازن القوى بين اللاعبين الدوليين في الشرق الأوسط تتطلب رؤية تركية أكثر واقعية، وكذلك إعادة النظر في عملية صنع القرار الخارجي في مرحلة ما بعد الانقلاب، فالتفريط في استخدام الاداة الامنية في البعد الخارجي وكذلك استمرار حالة الطوارئ في الداخل تعبر عن حالة اللااستقرار في صنع القرار التركي، ويبدو أن عقدة الكورد هي الطاغية في أروقة المؤسسات الحيوية في أنقرة.

  العمليات العسكرية ضد كورد سوريا تعد تدخلا خطيرا في مرحلة غير مستقرة ولا تفرز إلا نتائج عكسية في المدى المتوسط والبعيد. إن استقرار تركيا مرتبط ارتباطا تكامليا بالسلام مع الكورد في الداخل التركي وحسن الجوار مع الكورد في كل من العراق وسوريا، وإن المعضلة الكردية لدى انقرة قد عرقلت مشاريع ديمقراطية وتنمية اقتصادية في تركيا، وعلى الاتراك إدراك حقيقة التوازن التي يصنعها الرقم الكوردي في معادلات ما بعد الربيع العربي.

 إن الكورد بحاجة إلى استقرار سياسي وأمني لكي لا يتحول العامل الكوردي إلى ورقة بأيدي القوى العظمى تضرب بها مصالح تركيا والكورد، وكذلك تركيا بحاجة إلى علاقة سلام واحترام الإرادة الكوردية من أجل الحفاظ على مستقبل الاستقرار والسلام بالنسبة للدولة التركية.

  العقدة الكوردية لا تحل بالعامل العسكري، والفترات التاريخية المختلفة أثبتت هذه الحقيقة، وأتصور أن العمليات العسكرية هي مجرد بضاعة انتخابية تستخدمها العدالة والتنمية من أجل تعبئة الرأي العام التركي، خاصة القومي منه، في دعم الخطط السياسية القادمة للعدالة والتنمية، خاصة بقاء اردوغان على قمة الهرم السياسي في تركيا. إن معالجة المسائل العالقة بين شعوب المنطقة لا تحلها فوهات البنادق.