عفرين.. معركة لا رابح فيها

04/02/2020 - 04:38 نشر في عربی-آراء

دارا عبدالله

كاتب وصحفي سوري - برلين

 انتشر حديث في الصحافة التركية والأروقة الدبلوماسية، منذ أكتوبر/ تشرين الاول الماضي، عن حملة عسكرية تركية مرتقبة، ستتجه إلى مدينة عفرين، ذات الغالبية السكانية الكردية السورية. لكن، ما لبث أن سخن الخطاب التركي، وخرج إلى العلن، على لسان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ووزير خارجيته، مولود شاويش أوغلو، أن الحملة العسكرية التركية على عفرين "ضرورة قومية تركية" و"حق للدفاع عن الامن القومي التركي". هنا خمس ملاحظات أساسية بشأن هذه الحملة، وخطورة هذه المعركة.

أولا، ستؤدي المعركة التركية ضد عفرين إلى انتشار شعبية منظومة حزب العمال الكردستاني وفروعه في سورية وتركيا. وستشرك قطاعات واسعة من المدنيين الأكراد غير المنظمين والمنضوين تقليديا في منظومة الحزب في صفوفه، لأنه الجماعة العسكرية الوحيدة في الوسط الكردي السوري الآن، وأي مقاومة عسكرية لن تكون إلا من خلاله، أي أن الحملة ستؤدي إلى تسيس التسلح الاهلي الدفاعي، وتحوله تسلحا سياسيا حزبيا يندرج في مصلحة الحزب. وسبق وأن أدت المعركة مع "داعش" الدور نفسه. تشبه هذه الاستفادة تقريبا استفادة الحركات الإسلامية الأصولية في سورية، من التسلح الأهلي في البيئات المعنفة التي انتفضت ضد نظام الأسد، والتي دافعت عن نفسها.

ثانيا، الحساسية إزاء تركيا ليست مقتصرة على منظومة حزب العمال الكردستاني الإقليمية وعمقه الاجتماعي. بل هي منغرسة في الوجدان السياسي الكردي العام، لاسباب تاريخية وسياسية. لكن، بالتأكيد تتفاوت حدة هذه الحساسية وعمقها من الخصومة السياسية إلى الصدام العسكري المسلّح، إلى خيار الحوار السلمي. هذه النقطة مفتاحية في فهم ديناميكيات الموقف الكردي السوري من الثورة السياسية الاجتماعية السورية. إذ كلما توضحت عمق الأجندة التركية في مشروع المعارضة السورية زاد القلق الكردي وتكرس التحفظ.

ثالثا، تاريخيا، تشكل عفرين الخزان البشري الأساسي لرفد منظومة حزب العمال الكردستاني بالمقاتلين، وخصوصا في التسعينات في أثناء دعم الأسد الاب زعيم الحزب، عبدالله أوجلان. وبالتالي، لن يكون سهلا على الجيش التركي الدخول إلى المدينة، لأن المقاتلين، في غالبيتهم العظمى، من سكان المدينة، ولن يتخلوا عنها بسهولة، وهم أدرى بتضاريس المنطقة وشعابها وسهولها وجبالها، وستكون المعركة مكلفة للجيش التركي، واحتمالات الهزيمة كبيرة. كما أن شعور الانتماء للمكان، والحمية القومية المهيجة، ستفرض على المقاتلين الأكراد مقاومة شديدة. ولكن، طبعا، النصر للجيش التركي ليس مستحيلا، لانه أقوى، ويمتلك تكنولوجيا متقدمة.

رابعا، إذا خرجت منظومة حزب العمال الكردستاني منتصرة من هذه المعركة، فإن الطاقة الإسكاتية والميل الشمولي والنرجسية العسكرية ستقوى. وستضعف الاصوات الكردية الديمقراطية والليبرالية المعارضة لمشروع الحزب، والتي تمتلك خيارات سياسية أخرى، وتأويلا آخر للمسألة القومية. بـ "شرعية الدم" و"نتائج النصر"، سيتم إقصاء كل خصوم العمال الكردستاني، لأنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وسيكثر الحديث عن "العمالة" و"الخيانة". وانتصارات الأحزاب الشمولية العسكرية في معاركها خطيرة، غالبا، على البيئات التي تنحدر منها، فقد ازداد حزب الله تنمرا وحدة بعد حرب يوليو/ تموز في عام 2006، وتكثف ذلك في أثناء واقعة 7 مايو/ أيار، حيث أقصى الحزب، بقوة السلاح، كل الفريق السياسي المخاصم له.

خامسا، ثمة عمق اجتماعي لحزب العمال الكردستاني في البيئة الأهلية الكردية السورية، وازداد وتعزز بعد الثورة بسبب عاملين: الاول، تراجع السؤال السياسي الحقوقي في كل سورية، وتقدم سؤال الخبز والخدمات الأساسية والمياه والأمن ومدارس الأطفال والحد الأدنى من خدمات الصحة. إذ قدم الحزب نفسه "إدارة ذاتية ديمقراطية"، قادرة على الإجابة على هذا السؤال. وفعلا، استطاع أن يحقق أمانا معقولا، أقنع الناس بمساومة التخّي عن الحريات السياسية والمسألة الحقوقية، في مقابل إحقاق الأمن، خصوصا مع حالة الخراب والنزوح واللجوء والدمار الهائل التي تعيشها سورية. ثانيها، الخطر المحدق والحقيقي والجدي من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إذ أبدت منظومة "العمال الكردستاني" كفاءة معقولة في ردعها. وبالتالي، لن تنفض القاعدة الشعبية لحزب العمال الكردستاني وتتقلص، إلا ببدء صيرورة حل سياسي تدريجي في كل سورية، تعيد الحد الأدنى من الأمن والكرامة للشعب السوري. ومنظومة الحزب تزدهر في حالات الحروب الشرسة والازمات السياسية المستعصية وانعدام الأمن. وانتفاء هذه الشروط، سيزيد من السخط الشعبـي ضده.

من هنا، ستكون نتائج المعركة التركية في عفرين كارثية على الاكراد والاتراك.

 

 

 

 

 

 

المقال مقتبس من موقع صحيفة العربي الجديد