العلاقات الروسية الغربية في العهد الجديد لبوتين

04/02/2020 - 04:36 نشر في عربی-آراء

إمره أرشن - أكاديمي تركي

 

كما هو منتظر، استطاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الظفر في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 18 مارس الجاري، للمرة الرابعة في مسيرته السياسية، وسيبقى رئيسا للبلاد حتّى عام 2024.

ومن الممكن القول أن فوز بوتين بفارق كبير على منافسيه، سيعزز مكانته وسيعطيه دفعا كبيرا لمواجهة العديد من التحديات الداخلية والخارجية، سيما أن الخطوات التي سيقدم عليها في هذا الإطار ستحظى بمراقبة من العالم أجمع.

ولعل إعادة هيكلة الاقتصاد الروسي الذي بات يعتمد بشكل رئيسي على النفط والغاز الطبيعي، من أولويات بوتين في عهده الجديد، خاصة أن الشعب الروسي ينتظر من رئيسه انعاش الاقتصاد الذي لم يحقق نموا يلبي الطموحات وظل عند حدود 1.5 بالمئة.

لكن يبدو من غير السهل أن يتمكن بوتين من تحقيق النقلة النوعية المنتظرة في الاقتصاد من خلال الإصلاحات الهيكلية فقط، بل عليه إنهاء المشاكل العالقة بين بلاده والولايات المتحدة الامريكية والعالم الغربي، خاصة أن علاقات روسيا المتوترة مع العالم الغربي، تعيق دخول الاستثمارات الاجنبية إلى بلاده.

لكن التطورات الاخيرة التي حدثت بين موسكو والعديد من العواصم الغربية، لا توحي بقرب انتهاء الازمات الحاصلة بين الطرفين.

-العلاقات المتوترة

خلال الولاية الرئاسية الثالثة لبوتين التي امتدت من عام 2012 إلى عام 2018، تدهورت علاقات روسيا مع العالم الغربي المتمثل بالولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، إلى حد كبير، ففي عام 2014 حدثت أزمة شبه جزيرة القرم، التي كانت بداية للعقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا والتي بدأت تتسع مع مرور الزمن.

وفي عام 2015، دخلت روسيا الصراع الدائر في سوريا بشكل فعلي ووقفت علانية إلى جانب نظام الاسد، فكانت واحدة من أبرز الخطوات التي ساهمت في تصعيد التوتر بين موسكو والعالم الغربي، الذي اعتبر هذا التدخل تحديا لمصالحه في منطقة الشرق الأوسط، لكن بالمقابل كان هذا التدخل فرصة للرئيس بوتين لإختبار أحدث أنواع أسلحته.

وبإطلاقه محادثات أستانة وسوتشي للحوار بين الأطراف السورية المتنازعة، استطاع بوتين تهميش الدور الأمريكي والاوروبي في الحل السياسي للازمة السورية، وبات من أهم اللاعبين في هذا المجال إلى جانب تركيا وإيران.

ومن أهم الاحداث التي ساهمت في ازدياد التوتر بين موسكو والعالم الغربي أيضا، ادعاءات التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية نوفمبر 2016. ورغم رفض الكرملين لهذه الادعاءات، إلا أنها أحدثت صدى كبيرا في العالم الغربي.

كما أن روسيا دعمت خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وقدمت الاموال لبعض الحركات والاحزاب الاوروبية التي تشكك في جدوى استمرار البقاء داخل الاتحاد.

- تركيع العالم الغربي

مما لا شك فيه أن التوترات الحاصلة بين العالم الغربي وروسيا، أثرت سلبا على اقتصاد الاخيرة، لكن الغريب في الأمر أن التصعيد الحاصل بين الغرب وموسكو، عزز من ثقة الشعب الروسي بالرئيس بوتين، خاصة وأن استطلاعات الرأي التي جرت عقب ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، أشارت إلى ازدياد شعبية بوتين بشكل كبير لتصل إلى حدود 80 بالمئة.

وخلاصة ذلك أن قسما كبيرا من الشعب الروسي، يؤيد سياسات بوتين حيال أزمتي سوريا وأوكرانيا، ويرى أنه جعل من روسيا قوة عظمى لها بصمتها في المحافل الدولية، ودليل ذلك أن بوتين حقق خلال الانتخابات الاخيرة أكبر نسبة له من أصوات الناخبين من بين 4 استحقاقات انتخابية استطاع الظفر فيها، وبذلك خلق انطباعا بأنه القائد الذي أركع الغرب. 

- الجاسوس سكريبال

وفي 4 مارس/ آذار الجاري، اتهمت بريطانيا روسيا بتسميم العميل المزدوج، وضابط المخابرات الروسي المتقاعد سيرغي سكريبال (66 عاما) وابنته يوليا (33 عاما)، على أراضيها، باستخدام "غاز الأعصاب"، ما أشعل أزمة دبلوماسية بين البلدين.

وإثر ذلك، تبادل الجانبان اتخاذ إجراءات عقابية بينها طرد دبلوماسيين، كما أعلنت عدة دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، إضافة إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تضامنها مع الجانب البريطاني.

وهذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، ففي 2006 وقعت حادثة اغتيال العميل السابق فى أجهزة الاستخبارات الروسية ألكسندر ليتفينينكو في العاصمة البريطانية أيضا، فضلا عن حالات عديدة لاغتيال مواطنين روس معارضين لنظام بوتين خارج الحدود الروسية.

 -العلاقات الروسية الأمريكية

على الرغم من أن المكالمة الهاتفية التي جرت بين بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا كانت إيجابية، إلا أن العلاقات القائمة بين البلدين لا يبدوا أنها ستتحسن في وقت قريب، لا سيما أن نظرة الشارع الأمريكي تجاه روسيا سلبية للغاية، لان المدعي العام الخاص روبرت مولر اتهم 13 شخصا و3 كيانات روسية، بالتدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016.

والشهر الماضي، نشرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وثيقة خاصة بعقيدة السياسة النووية للبلاد في الفترة الحالية، تركز على عزمها تعزيز قدراتها لردع روسيا.

من جانب آخر أعلن ترامب مؤخرا تعيين مايك بومبيو وزيرا للخارجية بدلا من ريكس تيلرسون، ويعرف عن بومبيو أنه من الاشخاص الذين يتبنون مواقف صارمة تجاه روسيا، وهذا يدل أيضا على أن العلاقات بين موسكو وواشنطن لن تتحسن قريبا.

وفي حديث لقناة "إن بي سي" الامريكية مؤخرا، قال بوتين إن بلاده ما زالت مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية في مجالات عدة أهمها التسلح النووي والهجمات الالكترونية، لكن عمق الخلافات في وجهات النظر بين الجانبين حيال أزمتي أوكرانيا وسوريا، يعيق تحسن العلاقات.

- المسائل الاقليمية

منذ سنوات والحرب الايديولوجية مستمرة بين موسكو وواشنطن داخل الاراضي السورية، ولم يعد بالإمكان القول بأن هذا الصراع مجرد حرب بالوكالة، لأن الميليشيات الروسية دخلت قبل عدة أسابيع في اشتباك مسلح مع القوات الأمريكية في محافظة دير الزور شرقي سوريا.

وينتقد العالم الغربي بشدة، المجازر التي تقوم بها القوات الروسية بالاشتراك مع النظام السوري في الغوطة الشرقية، فالروس يدعون أن الهدف الرئيسي للغرب، تنفيذ عملية عسكرية ضد النظام السوري لاستخدامة الاسلحة الكيميائية.

وكان ورئيس الاركان الروسي أعلن مؤخرا أن بلاده سترد بقوة في حال توجيه ضربة عسكرية للنظام.

ولا يبدو أن الأمر بحال أفضل بالنسبة للازمة الاوكرانية، فبنود اتفاق مينسك المبرم عام 2015 حيال أزمة شبه جزيرة القرم، لم ينفذ إلى الآن،  ونهاية فبراير/ شباط الماضي، قضت محكمة التحكيم في ستوكهولم بتغريم شركة غازبروم الروسية، بتسديد أكثر من ملياري دولار لشركة "نفطوغاز" الاوكرانية، جراء عدم امتثالها لالتزاماتها المتعلقة بتوريد الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا.

وقالت روسيا أن قرار التغريم صدر بدوافع سياسية، معلنة أنها ستلغي كافة اتفاقيات الغاز الطبيعي بين غاز بروم وأوكرانيا، ردا على القرار، وهذا التطور ساهم أيضا في تعقيد العلاقات بين موسكو والعالم الغربي.

والمحصلة، أن انتظار تحسن العلاقات بين روسيا والعالم الغربي، يبدو غير ممكن خلال الفترة القريبة القادمة.

 

 Anadolu Agency